عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

111

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

القلب الذي حل فيه ، فحينئذ يشتغل بالمحبوب عما سواه ، فلا يسمع ولا يبصر إلا باللّه ، ومنه قول القائل : * حبيب قلبي به سمعي به بصرى * وعليه يدل الحديث : « حبك للشئ يعمى ويصم » ، وقال عبد اللّه بن عطاء رحمه اللّه : ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علما منهم عند محمد بن علي بن الحسين رضى اللّه تعالى عنهم ، وقال بعض أهل اللغة : إنما لقب محمد بن علي بن الحسين بالباقر ، لتبقره وتوسعه في العلم ، يقال : بقرت الشئ بقرا : أي فتحته ووسعته ، وسمى الأسد باقرا ، لأنه يبقر بطن فريسته ، وقال محمد بن علي رضى اللّه تعالى عنهما : كان لي أخ في عيني عظيما ، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه . ( الحكاية الثالثة والسبعون : عن الليث بن سعد رضي اللّه عنه ) قال : حججت ماشيا سنة ثلاث عشرة ومئة ، فأتيت مكة ، فلما صليت العصر رقيت أبا قبيس فإذا برجل جالس وهو يدعو ، فقال : يا رب يا رب حتى انقطع نفسه ، ثم قال : يا رباه يا رباه حتى انقطع نفسه ، ثم قال : يا اللّه يا اللّه حتى انقطع نفسه ، ثم قال : يا حي يا حي حتى انقطع نفسه ، ثم قال : يا أرحم الراحمين حتى انقطع نفسه ، ثم قال : يا رحيم يا رحيم حتى انقطع نفسه ، ثم قال : يا أرحم الرحمين حتى انقطع نفسه سبع مرات ، ثم قال : اللهم إني أشتهي العنب فأطعمنيه ، وإن بردىّ قد خلقا : يعنى ثوبيه ؛ قال الليث : فو اللّه ما استتم كلامه حتى نظرت إلى سلة مملوءة عنبا ، وليس على وجه الأرض يومئذ عنب ، وبردين موضوعين ، فأراد أن يأكل ، فقلت : أنا شريكك ، فقال ولم ؟ قلت لأنك كنت تدعو وأنا أؤمن ، فقال لي : تقدم وكل ولا تخبأ منه شيئا ، فتقدمت وأكلت معه شيئا لم آكل قط مثله ، وإذا به عنب ليس له عجم ، فأكلت حتى شبعت والسلة لم ينقص منها شئ ، ثم قال لي : خذ أحب البردين إليك ، فقلت له : أما البردان فأنا غنى عنهما ، فقال لي توار عنى حتى ألبسهما ، فتواريت فاتزر بأحدهما وارتدى بالآخر ، ثم أخذ البردين اللذين كانا عليه ، فجعلهما على يده ونزل فاتبعته ، حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال : اكسنى كساك اللّه يا ابن رسول اللّه حلة من حلل